أحمد بن علي القلقشندي

288

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

أعاديه كلَّما سخنت منه العين ، فلقد أصبح « أفرغ من حجّام ساباط » ( 1 ) وإن كان « أشغل من ذات النّحيين » ( 2 ) . وكلما تأمّل جدّه ( 3 ) العاثر النّاكص ، ونظر رزقه النّاضب النّاقص ، وقابله الدّهر بالوجه العابس الكالح ، ومنّى نفسه عقبى يوم صالح ، ربع عليها فمن لي بالسّانح بعد البارح ( 4 ) ؟ وناجى نفسه بإعمال الركائب ، والاضطراب في المشارق والمغارب ، وأن يرى بالجود طلعة نائر وبالعرمس ( 5 ) غرّة آئب ، ويصل التّهجير بالسّرى ، ويبتّ من قيد الأوطان موثقات العرى ؛ وإن كسدت فضيلة من فضائله ، أو رثّت وسيلة من وسائله ، اكتسب بأخرى من أخواتها ، ونفث في عقدها ومتّ بها وقال : أنا ابن بجدتها ؛ فإلام وعلام وحتّى متى ، أجاور من أنا فيهم أضيع من قمر الشّتا ؟ وحالي أظهر من أن يقام عليه دليل ، و « إذا ذلّ مولى المرء فهو ذليل » : وما أنا كالعير المقيم بأهله على القيد في بحبوحة الدّار يرتع ثم استهول تقحّم الإغوار والإنجاد ، واستفتح لقادح زناد الحظَّ

--> ( 1 ) الحجّام هو الذي يعالج المريض بالحجامة ، وهي امتصاص الدم بالمحجم . وحجّام ساباط ( بالمدائن ) كان يحجم الجنديّ نسيئة بدانق ، وربما تمرّ به الأيام لا يدنو منه أحد فيها ، فتخرج أمه فيحجمها ليري الناس أنه غير فارغ ، فلا يزال كذلك حتى نزفها فماتت . وذهب ذلك مثلا . ( جمهرة الأمثال : 1 / 107 - واللسان : مادة سبط . والميداني : 2 / 22 - والمستقصى : 109 ) . ( 2 ) من قول خوّات بن جبير الأنصاريّ : شغلت يديها إذ أردت خلاطها بنحيين من سمن ذوي عجرات والنّحي ، بكسر النون ، هو الزق الذي يجعل فيه السمن ( جمهرة الأمثال : 2 / 321 ) . ( 3 ) الجدّ : الحظَّ . ( 4 ) البارح من الطير والوحش هو الذي يمرّ من يمينك إلى يسارك ، والعرب تتطيّر به . والسانح عكس ذلك . ( لسان العرب : مادة برح وسنح ) . ( 5 ) العرمس : الصخرة ؛ والناقة الصلبة الشديدة ؛ والناقة الطيّعة القياد . ( اللسان : مادة عرمس ) .